محمد حسين الذهبي

404

التفسير والمفسرون

وعسى أن يتجه لغيرى وجوه أحسن منها طوع القياد ، فإن ذلك سهل لمن تيسر له من أفراد العباد . وللّه تعالى في كل كلمة كلمات ينفد البحر دون نفادها ، فكيف السبيل إلى حصرها وتعدادها . . ولكنها أنموذج لأهل الذوق والوجدان يحتذون على حذوها عند تلاوة القرآن فينكشف لهم ما استعدوا له من مكنونات علمه ، ويتجلى عليهم ما استطاعوا له من خفيات غيبه ، واللّه الهادي لأهل المجاهدة ، إلى سبيل المكاشفة والمشاهدة ، ولأهل الشوق إلى مشارب الذوق ، إنه ولى التحقيق ، وبيده التوفيق « 1 » ) اه . فمن هذه المقدمة يمكنك أن تحكم على الكاشاني بأنه صوفي لا باطني ، كما أنك تجد فيها منهجة الذي سار عليه في تفسيره ، ولو تصفحت الكتاب لوجدت أنه سار على الطريقة التي رسمها لنفسه ولم يحد عنها ، وإليك نماذج منه . نماذج من التفسير الاشارى : في سورة البقرة عند قوله تعالى في الآية ( 126 ) « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » يقول ما نصه : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا الصدر الذي هو حرم القلب ، بلدا آمنا من استيلاء صفات النفس ، واغتيال العدو اللعين ، وتخطف جن القوى البدنية أهله ، وارزق أهله من ثمرات معارف الروح أو حكمه أو أنواره ، « مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » : من وحد اللّه منهم وعلم المعاد . « قال ومن كفر » : أي ومن احتجب أيضا من الذين سكنوا الصدر ، ولا يجاوزون حده بالترقى إلى مقام العين ، لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر ، فأمتعه قليلا من المعاني العقلية ، والمعلومات الكلية ، النازلة إليهم من عالم الروح على قدر ما تعيشوا به ، ثم أضطره إلى عذاب نار الحرمان والحجاب ، وبئس المصير مصيرهم لتعذبهم بنقصانهم . وتألمهم بحرمانهم « 2 » ) اه .

--> ( 1 ) ج 1 ص 3 - 5 ( 2 ) ج 1 ص 57